المسعودي

25

مروج الذهب ومعادن الجوهر

فصوله وإن كانت كلها في نهاية الجودة وانتخبناه من كلامه : وقديماً غذت المعصية أبناءها فحلبت عليهم من دَرِّها مرضعة ، وبسطت لهم من أمانيها مطمعة ، وركبت فيهم مخاطرها مُوضِعَة ، حتى إذا رتعوا فآمنوا ، وركبوا فاطمأنوا ، وانقضى رَضاع وآن فِطامٌ ، سقتهم سمّاً ، ففجرت مجاري ألبانها منها دماً ، وأعقبتهم من غذائها مراً ، وحطت بهم من معقل إلى عقال ، ومن عز إلى حسرة ، قتلًا وأسراً ، وإباحة وقسراً ، وقَلَّ من أوضع في الفتنة مرهجاً في لهبها ومقتحماً عند ضلالها إلا استقحمته آخذة بمُخَنَّقه ، وموهنة بالحق كيده ، حتى تجعله لعاجله جرزاً ، ولآجله حطباً ، وللحق موعظة ، وللباطل حجة ، ذلك لهم جزاء في الدنيا ، ولعذاب الآخرة أكبر وما ربك بظلام للعبيد . وله أشعار حسان : فمما استحسن من شعره الذي لم يسبقه عند جماعة أهل الأدب أحَدٌ من زمانه قوله : لنا إبل كُومٌ يضيق بها الفضا ويَفْتَرُّ عنها أرضها وسماؤها فمن دونها أن تُسْتَباح دماؤنا ومن دوننا أن يستدم دماؤها حمىً وقِرًى فالموت دون مرامها وأهون خطب في الحقوق فناؤها وقوله : ولكنَّ الجواد أبا هشام وفيُّ العهد مأمون المغيب غبيٌّ عنك ما استغنيت عنه وطلَّاع عليك مع الخطوب وقوله : هب الزمان رماني الشأن في الخلان فيمن رماني لما رأى الزمان رماني ومن ذخَرْتُ زماني شنأت في الخلان ومن ذخرت لنفسي فعاد ذخر الزمان